الغزالي

190

إحياء علوم الدين

يومه فكأنّما تصدّق به « وفي لفظ آخر » فكأنّما أعتق رقبة « وقيل في قوله تعالى * ( ومن يُرِدْ فِيه بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْه من عَذابٍ أَلِيمٍ « 1 » ان الاحتكار من الظلم . وداخل تحته في الوعيد وعن بعض السلف أنه كان بواسط فجهز سفينة حنطة إلى البصرة ، وكتب إلى وكيله ، بع هذا الطعام يوم يدخل البصرة ، ولا تؤخره إلى غد . فوافق سعة في السعر . فقال له التجار ، لو أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه . فأخره جمعة ، فربح فيه أمثاله ، وكتب إلى صاحبه بذلك . فكتب إليه صاحب الطعام ، يا هذا ، إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا ، وانك قد خالفت وما نحب أن نربح أضعافه بذهاب شيء من الدين ، فقد جنيت علينا جناية . فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال كله فتصدق به على فقراء البصرة ، وليتني أنجو من اثم الاحتكار كفافا ، لا علىّ ولا لي واعلم أن النهى مطلق . ويتعلق النظر به في الوقت والجنس أما الجنس فيطرد النهى في أجناس الأقوات أما ما ليس بقوت ، ولا هو معين على القوت كالأدوية والعقاقير والزعفران وأمثاله ، فلا يتعدى النهى إليه وإن كان مطعوما ، وأما ما يعين على القوت كاللحم والفواكه ، وما يسد مسدا يغنى عن القوت في بعض الأحوال ، وان كان لا يمكن المداومة عليه ، فهذا في محل النظر . فمن العلماء من طرد التحريم في السمن والعسل والشيرج والجبن والزيت وما يجرى مجراه وأما الوقت ، فيحتمل أيضا طرد النهى في جميع الأوقات . وعليه تدل الحكاية التي ذكرناها في الطعام الذي صادف بالبصرة سعة في السعر . ويحتمل ان يخصص بوقت قلة الأطعمة ، وحاجة الناس إليه ، حتى يكون في تأخير بيعه ضرر ما فاما إذا اتسعت الأطعمة وكثرت واستغنى الناس عنها ، ولم يرغبوا فيها الا بقيمة قليلة ، فانتظر صاحب الطعام ذلك ، ولم ينتظر قحطا ، فليس في هذا اضرار . وإذا كان الزمان زمان قحط ، كان في ادخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها اضرار . فينبغي ان يقضى بتحريمه . ويعول في نفى التحريم وإثباته على الضرار ، فإنه مفهوم قطعا من تخصيص الطعام . وإذا لم يكن ضرار ، فلا يخلو احتكار الأقوات عن كراهية ، فإنه ينتظر مبادئ الضرار ، وهو ارتفاع الأسعار وانتظار مبادئ الضرار محذور ، كانتظار عين الضرار ، ولكنه دونه . وانتظار عين الضرار أيضا هو دون الاضرار

--> « 1 » الحج : 25